محمد قطب.. خزانة الإسلاميين الفكرية
إهداء - أستاذ - أحمد أبو أنيسة
أنا طائر حُر.. رفضت العيش في قفص العبودية لغير الله الخالق الوهّاب..آثرت أن أكون طائراً حُراً لآتي من سبإٍ الحقيقة بنبإٍ اليقين.
أحببت الخير لكل بني آدم على السواء...فلا لون و لا جنس و لا اختلاف عقيدة يحول بيني و بين أن أوصل ما أراه صوابا لغيري.
شعاري في حياتي: لا تُوجد مشاكل.. إنما توجد حلول.. والحوار الهادئ سبيلنا
و قول الإمام الشافعي ( رأيّ صواب يحتمل الخطأ.. و رأي غيري خطأ.. يحتمل الصواب )
ثم قول الشاعر : إذا القوم قالوا : من فتى ؟ خِلْتُ أنني عُنيت فلم أكسل ولم أتبلد
صلاح عبد العزيز
------------------------
اللهم باعد بيننا و بين الشبهات و الشهوات
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | ||||
أكتوبر 27th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , تراجم الرجال,
محمد قطب.. خزانة الإسلاميين الفكرية
أكتوبر 15th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , تراجم الرجال, شؤون ليبية, علوم و طب,
مايو 13th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , اجتماع, تراجم الرجال, حقوق إنسان, شؤون - عربية, مناسبات,
مارس 23rd, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , تاريخ وطني, تراجم الرجال,
فبراير 18th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , إسلام, تراجم الرجال, فكر إسلامي, مختارات, مناسبات,
بسم الله الرحمن الرحيم
حسن البنا
ستون عاما على رحيله
1949 – 2009
هل حقيقةً أن قرنا من الزمان مرّ على ميلاد الإمام المجدد حسن بن عبد الرحمن البنا، أو صفة المرشد ووظيفته التي قبلها من إخوانه ولم يقبل غيرها مما كان سائدا في عصره وقبله وبعده من صفات كالزعيم والرئيس والقائد الملهم وابن الشمس وبطل التحرير وغيرها من الصفات التي يُلْحقها الأتباع بالمتبوع في لحظات انبهار بموقف أو اشتعال عاطفة بخطبة حماسية سرعان ما يخمدا بالموت أو بالتغيير الذي يطرأ على العباد - إلا من رحم الله -.
هذا التغيير الذي يزحف إلى الناس كدبيب نملة في جحر مظلم بللته قطرات مطر غسلت ما حوله وما فوقه من أدران الخلق والأرض وانسابت إليه بأوشابها لتحيل الصفاء إلى كدر والإخلاص إلى إعجاب بالنفس وزهوا بالجلوس على مقعد الزعامة والرئاسة الذي يفصل بين الجالس عليه وبين أتباعه لتنقطع الصلة الروحية والنفسية بين الإثنين ولا تبقى غير صيحات الحناجر تنطق بالأمر وتصمت بالأمر حتى إذا جاء الوعد الحق وانصرف الأتباع إلى دنياهم بعد أن يهيلوا على زعيمهم التراب يوّلون ظهورهم له .. وفي استقبال زعيم جديد بغضا أو كرها .. أو خداعا ليزداد دبيب النمل ضجيجا مع كل ما يجرفه من أدران الأرض والخلق وأمراض القلوب.
وهل حقيقة أن ستون عاما قد مرت على استشهاد المرشد الأول لجماعة الإخوان المسلمين وهو في قبره وما زال يشغل الدنيا كلها أتباعا ومعارضين حكاما ومحكومين لم يُدر أحد منهم له ظهره حتى أشد الناس خصومة له والجميع يرونه كنسر ما زال يحلق في السماء صامدا في وجه كل الأعاصير.
ولم تكن حادثة مقتله التي باء بإثمها من أطلق الرصاص فأسال دمه ثم أطلقه ثانية وثالثة وما زال يطلقه ليجتث فكره وأتباعه من على وجه الأرض، ومنهم من أطلق الحبر الأسود وما زال يطلقه يملأ به صحائف سود محاولا اغتيال دعوته وفكره وتاريخه، ومع كل ذلك ما زال جناحا النسر يخفقان ويزدادان سرعة وقوة يستقبلان الرصاص وكلمات السوء بخاصية عجيبة ثم يحيلانهما إلى إشعاع نور تحمله السحب وتنثره قطرات قرآنية في بقاع من الأرض وفي قلوب وفي أفكار بشر ما كان الشهيد يحصي حين لقي ربه لهم أرضا ولا ألسنة.
وما كان حسن البنا يدرك أنه سيأتي يوم تصرخ فيه وزيرة خارجية الكيان الصهيوني وبعد مرور ستين عاما على رحيله بالتمام، وبعد أن عجزت وعجز جيشها وعجز حلفاؤها على رغم ما أحدثوه وشاركوا فيه من حصار ودمار لغزة هاشم أن يرفع المقاومون على أرضها الراية البيضاء استسلاما .. فتصرخ هذه القاتلة في ساحة الرئاسة الفرنسية نادبة خيبة مشروعها الصهيوني محرضة على جماعة الإخوان المسلمين التي أنشأها الراحل الشهيد وتشكل في استراتيجية هذه القاتلة خطرا على كيانها الغاصب وعلى شركائها في المنطقة .. ولولا هذه اللحظة التي أربكتها وأفقدتها وعيها وتركيزها لطالبت من بين ما طالبت به المجرمين من حلفائها باستخراج جثمان الإمام الشهيد حسن البنا وإعادة قتله ووضع روحه خلف قضبان في جحر عميق تغشاه حوائط حديدية من كل مكان حتى لا تظل هذه الروح محلقة في سماء الدنيا تُلهب خيال أي مقاومة للظلم وعلى أي أرض، وينثر جناحاها الرذاذ الرطب الفواح بشذى عرق الجهاد في سبيل الله ورائحة المسك الأخّاذة لدماء الشهداء .. ليشهد الباطل بالخسران .. وينادي المؤمنون الصادقون بقولة الحق الخالدة .. لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا.
ستون عاما مضت على رحيل الإمام الشهيد حسن البنا عن دنيا الناس، ماجت الدنيا فيها بأحداث جسام، وذهب البعض في أمتنا بعيدا عن فكر الرجل الذي لم يدّع أنه قد أتى بجديد، وإنما كما أعلن هو وكما اتبعته جماعته في حياته ومن بعده أنه يسير تبعا لمنهاج القرآن والسنة وفق ما هداه الله اجتهاده فيهما، لا إفراط ولا تفريط في دين الله، ولا مجافاة لسنن الله في الكون، ولا طلبا لحكم أو لدنيا، ولا رغبة في زعامة أو تسلط .. ومع كل هذا فما زال البعض يتوارث عداوته والكيد له ولجماعته وليس آخرهم الثعبان الأرقط الذي يسكن في جلد وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني.
ستتوالى ذكريات ميلاد الرجل وذكريات استشهاده، وستظل الأقلام تكتب عنه وهو بين يدي خالقه إلى أن يشاء الله، ولن يضير الرجل على أي صورة يراه الشانئون عليها، ولن يضر فكره كذلك .. أما من آمن بفكره والتزم جماعته فحسبه من لحظة مرور ستين عاما بعد منّ الله بشرياتها .. ومن الذكرى عهد جديد بمواصلة العمل، وبوعد الله عز وجل الذي لا يتخلف (إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا).
فى ذكرى استشهاده الستين
حسن البنا ومشروع نهضة الأمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه … وبعد؛
يقول الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 23).
في حياة الأمم والشعوب يظهر قادة أفذاذ يصنعهم الله على عينه ويؤلف من حولهم القلوب فيقومون بمهمة إحياء هذه الأمم وقيادة نهضتها وإعلاء مكانتها.
ولقد كان الإمام الشهيد حسن البنا شهيد فلسطين أحد هؤلاء الذين أوقفوا حياتهم منذ نعومة أظافرهم من أجل نهضة مصر والأمة العربية والإسلامية ولقد بنى مشروعه للنهضة والذي انطلق من مصر ثم التف حوله الملايين في كل أنحاء العالم على أسس ثلاثة هي:
1- إن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شئون الناس في الحياة الدنيا وما يترتب على ذلك من سعادة في الآخرة، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجيش، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطق بذلك كله ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان فيه جميعا، وإلى هنا تشير الآية الكريمة (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (القصص: 77).
2- أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا، وأن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها … لذا يجب أن تستقى النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية النبوية حتى لا نقيد أنفسنا غير ما يقيدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام للبشرية جميعا.
3- إن الإسلام كدين عام انتظم شئون الحياة في كل الشعوب والأمم لكل الأعصار والأزمان، جاء أسمى وأكمل من أن يعرض لجزئيات هذه الحياة وخصوصا في الأمور الدنيوية البحتة، فهو إنما يضع القواعد الكلية في كل شأن من هذه الشئون، ويرشد الناس إلى الطرق العملية للتطبيق عليها والسير في حدودها … وقد عنى الإسلام عناية تامة بعلاج النفس الإنسانية وهي مصدر النظم ومادة التفكير والتصوير والتشكيل .. “رسالة المؤتمر الخامس”.
على هذه الأسس الثلاثة بنى الإمام البنا بنيان مشروع النهضة عند الإخوان المسلمين فكانت أهم خصائصه المرونة والبساطة والشمول والتكامل والربانية والواقعية وهي من أهم خصائص الإسلام نفسه .. لقد درس الإمام البنا تاريخ المسلمين ووقف على أهم عوامل التحلل في كيان الدولة الإسلامية التي صمدت في وجه الأنواء حتى القرن السادس الهجري عندما مزقتها جحافل التتار ثم جاء الغزو الأجنبي في القرن الرابع عشر الهجري ليترك وراءه ما نراه اليوم من أمم مبعثرة ودويلات صغيرة تتوق إلى الوحدة وتتوثب للنهوض.
لقد كان تشخيص الداء مرحلة هامة قبل وصف العلاج وهو ما رسمه البنا عليه رحمه الله فذكر أهم العوامل التي أدت إلى تحلل الدولة الإسلامية وفي مقدمتها ومن أهمها:
1- الخلافات السياسية والعصبية وتنازع الرياسة والجاه.
2- الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى ألفاظ ومصطلحات ميتة وإهمال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والجمود والتعصب للآراء والأقوال والولع بالجدل والمناظرات والمراء.
3- الانغماس في الترف والنعيم والإقبال على المتعة والشهوات.
4- انتقال السلطة والرياسة إلى غير العرب ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراك معانيه.
5- إهمال المعارف الكونية والعلوم العلمية وصرف الأوقات والجهود في فلسفات نظرية عقيمة وعلوم خيالية سقيمة.
6- غرور الحكام بسلطانهم والانخداع وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمم من غيرهم حتى سبقتهم في الاستعداد والأهبة وأخذتهم على غرة.
7- الانخداع بدسائس المتملقين من خصومهم والإعجاب بأعمالهم ومظاهر حياتهم والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع مع النهي الشديد عن التشبه بهم والأمر الصريح بمخالفتهم وضرورة المحافظة على مقومات الأمة الإسلامية.
ثم شرح الإمام الشهيد كيف يمد الإسلامُ الأمةَ الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد وعواطف ومشاعر بما لا يدع مجال للشك أمام كل مسلم وعربي بل وكل إنسان بأن مزايا التوجه الإسلامي تحقق للأمة الكثير من الفوائد لأنه قد جُرِّب من قبل وشهد التاريخ بصلاحيته، وله من القدسية والاستقرار في النفوس ما يسهل على الجميع تناوله وفقهه والاستجابة له والسير عليه، فضلا عن الاعتزاز بالقومية والإشادة بالوطنية الخالصة حيث نبني حياتنا على قواعدنا وأصولنا ولا نأخذ عن غيرنا، وهذا أرقى معاني الاستقلال الاجتماعي والحيوي بعد الاستقلال السياسي .. وأنّ السير على هذا المنهج وتشييد النهضة على أصول الإسلام تقوية للوحدة العربية أولا ثم للوحدة الإسلامية ثانياً.
وإن هذا المنهج تام شامل يضع نظم الحياة للأمم على أساسين مهمين أخذ الصالح وتجنب الضار.
وفي بيان ما تحتاجه الأمة الناهضة من أسس ودعائم وكيف يمدها به الإسلام قال الإمام الشهيد في رسالة “نحو النور” وهي خطاب لزعماء الأمة:
1- الإسلام والأمل: تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح والقرآن يبين لنا أن اليأس سبيل إلى الكفر والقنوط من مظاهر الضلال ويقول الله لنا (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 5) … ويقول لنا (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140).
2- الإسلام والعزة القومية: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) … (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143) … (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8).
والوطن في عرف الإسلام يشمل:
- القطر الخاص أولاً.
- الأقطار الإسلامية الأخرى، كلها للمسلم وطن ودار.
- الإمبراطورية الإسلامية الأولى التي شادها الأسلاف بدمائهم.
- ثم يسمو حتى يشمل الدنيا جميعاً.
وبذلك يكون الإسلام قد وفق بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة بما فيه الخير كل الخير للإنسانية جمعاء .. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
3- الإسلام والقوة والجندية .. حيث جعلها الإسلام فريضة محكمة من فرائضه ولم يفرق بينها وبين الصلاة والصوم في شيء.
4- الإسلام والصحة العامة: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (البقرة: 247) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) .. ويقول صلى الله عليه وسلم (إن لبدنك عليك حقاً).
5- الإسلام والعلم: حيث يجعله فريضة من فرائضه كالقوة ويناصره، وكانت أول آية نزلت (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: 1).
6- الإسلام والخلق القويم الفاضل: حيث يقول الحق تبارك وتعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس 9-10) .. (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 9).
7- الإسلام والاقتصاد: والشؤون الاقتصادية أهم الشؤون في هذه العصور وقد أولاها الإسلام أكبر الاهتمام وأعظم التقدير ووضع لها القاعد العامة التي تكفل سلامة البنيان الاقتصادي فحرم الربا والاحتكار وأحل البيع والشراء.
8- نظم الإسلام العامة: إن نظم الإسلام فيما يتعلق بالفرد أو الأسرة أو الأمة حكومته وشعبها أو صلة الأمم بعضها ببعض، جمعت بين الاستيعاب والدقة وإيثار المصلحة وإيضاحها، وأنها أكمل وأنفع ما عرف الناس من النظم حديثاً أو قديماً.
هذا حكم يؤيده التاريخ ويثبته البحث الدقيق في كل مظاهر حياة الأمة، وردا على من يقول إن بناء نهضة مصر والعرب والمسلمين قد ينتقص من حقوق الأقليات غير المسلمة أو يعكر صفو العلاقة مع الغرب وبقية الدنيا.
يقول الإمام: إن الإسلام وضع نصوصاً صريحة واضحة لحماية الأقليات وفى متنها (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) (الممتحنة: 8).
والإسلام قدَّسَ الوحدة الإنسانية العامة فى قوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
وقدَّسَ الوحدة الدينية العامة وقضى على التعصب فى قوله تعالى: (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 136).
ثم قدَّسَ الوحدة الدينية الخاصة في غير صلف ولا عدوان (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10).
وحدّد بوضوح ودقة من يحق لنا كمسلمين أن نناوئهم ونقاطعهم في قوله: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: 9).
أما الغرب والغربيون؛ فإن هذه الدول إن كانت تسيء بنا الظنون فهي لا ترضى عنا سواء اتبعنا الإسلام أم غيره، وهذا ما حدث خلال قرنين من الزمان فانهارت تجارب النهضة التي بناها مؤسسوها على غير قواعد الإسلام.
إن أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب، ورجال الدين غير الدين نفسه، وإن بداية النهضة يجب أن تبدأ بإنشاء قواعدها على دعائم قوية من الخلق الفاضل والعلم الغزير والقوة السابغة وهو ما يأمر به الإسلام.
وعلينا أن نتخذ خطوات عملية في كافة المجالات مع البحث الدقيق والصبر على العلاج وتخطي العقبات مع ما يحتاجه ذلك من طول الأناة وعظيم الحكمة وماضى العزيمة.
ونعلم أنه إذا صدق العزم وضح السبيل، وأن الأمة القوية الإرادة إذا أخذت في سبيل الخير فهي لابد واصلة إلى ما تريد إن شاء الله تعالى فلنتوجه إلى النهضة والله معنا.
وصلى الله على سيدنا محمد على وآله وصحبه وسلم.
القاهرة في: 17 من صفر 1430هـ الموافق 12 من فبراير 2009م
الإمام حسن البنا في ذكرى استشهاده وأحداث فلسطين
الإمام حسن البنا وفلسطين
“إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين .. وإن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلى .. وإن المسجد الأقصى الذي انتهكت حرمته .. كل أولئك يهيبك أيها الأخ المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك من روح ومال لتكون جديراً بالاسم الذي تحمل، وباللواء الذي ترفع وبالزعيم الذي أنت به مؤمن ..”.
حسن البنا سنة 1931م
ما دام في فلسطين يهودي واحد يقاتل فإن مهمة الإخوان لن تنته
تمهيد:
حظيت القضية الفلسطينية من الإمام الشهيد حسن البنا باهتمامٍ بالغٍ، حتى لا تُذكر فلسطين إلا ويُذكر معها الإمام وجهاد الإخوان المسلمين.
إن فلسطين تضم الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومهد الرسالات السماوية، وأرض المعارك الإسلامية المجيدة التي لا توجد فيها ذرة رملٍ واحدةٍ إلا وقد رُويت بدماء الصحابة والتابعين والمجاهدين من السلف.
كيف لا .. وهي جزءٌ من العقيدة الإسلامية وملكٌ لجميع المسلمين، وقطعةٌ من الوطن الإسلامي غاليةٌ لا يجوز التفريط في شبرٍ واحدٍ منها؟!.
ولقد عبَّر الإمام الشهيد عن ذلك بقوله: “فلسطين تحتل من نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًّا فوق المعنى الوطني المجرد؛ إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح عليه السلام وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويُغذي الأرواح”.
وقضية فلسطين لدي الإمام الشهيد، في المقام الأول قضية الإسلام وأهله، هي كما قال: (قلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وخلاصة رأسمالنا وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا) وعليها (يتوقف عز الإسلام أو خذلانه).
وكان الإمام الشهيد يدرك أنها ليست قضية بسيطة، وأن العدو فيها ليس عصابات الإجرام والاغتصاب الصهيونية فحسب، بل هي في حقيقتها معركة كبرى (سوف تجسد الصراع بين قوى الشر والكفر والظلم من أمم الاستعمار الظالمة من ناحية وقوى الخير والعدل والمرحمة من ناحية أخرى).
وقد جعل الامام الشهيد القضية الفلسطينية قضية العروبة والإسلام في القرن العشرين.
وبقدر ماكان هذا التصور واضحا في فكر الإمام الشهيد .. إلا أنه لم يكن كذلك لدى عامة الشعب المصري وخاصته بل وغيره من الشعوب الإسلامية في ذلك الحين .. اللهم إلا تلك العصبة التي رباها الإمام الشهيد على عينه .. ومن هنا كانت الجهود المضنية التي بذلها الإمام الشهيد وإخوانه في تعريف الناس وتوعيتهم بكثير من المؤامرات على بلاد المسلمين، وفي مقدمة ذلك فلسطين.
فقد كان الناس في مصر في ذلك الوقت يجهلون أن هناك بلداً اسمه فلسطين، وأن هذا البلد بجوارهم أقرب إلى القاهرة من أسوان؛ فشرع الإمام يرسل شباب الإخوان في مساجد القاهرة والمحافظات يحدثون الناس عن ظلم الإنجليز وبطشهم وتآمرهم على أهل فلسطين، ثم دعا بعد ذلك إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة كشوف بأسماء هذه المجلات وعناوينها، والأسماء الحقيقية لأصحابها وذيلت الكشوف بعبارة “إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات، إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين”.
وكان حريصاً أن يعلم كل مصري وكل مسلم خارج مصر أن الإنجليز قد احتلوا فلسطين وحكموا أهلها بالحديد والنار وأنهم يمهدون لإقامة دولة صهيونية عليها، وطرد أهلها منها، ويقومون بتدريب اليهود وتأهيلهم، وفي الوقت ذاته يطاردون كل مسلم على أرض فلسطين إن تدرب على حمل السلاح ويحكمون عليه بالإعدام.
فها هو ذا رحمه الله يعلن في المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين أن الوطن الإسلامي كلٌ لا يتجزأ والاعتداء على جزء منه اعتداء عليه كله، ولابد أن يعمل المسلمون لتخليص البلد المعتدى عليه، وإنّ إنجلترا قد احتلت فلسطين وفلسطين وطن كل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام ومهد الأنبياء وعلى المسلمين أن يحرروها من أيدي غاصبيها كما يجب عليهم أن يحرروا غيرها ممن اغتصبوها.
قال رحمه الله: (ونذكر الوفود الإسلامية بمكر إنجلترا وخداعها، ووجوب القيام على حقوق العرب كاملة غير منقوصة، ولنا حساب بعد ذلك مع إنجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق، والتي يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم أن نعمل لإنقاذها وخلاصها).
وقام الإمام رحمه الله بتوزيع كتاب (النار والدمار في فلسطين) وهو كتاب يعرض بالصور والوثائق الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ومن هذه الصور هجوم الإنجليز على البيوت، وصورهم وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأحذيتهم وصور من الجرائم والتعذيب بلغت 50 صورة.
لقد أمر البنا رحمه الله بتوزيع عشرات الآلاف من هذا الكتاب فجن جنون الإنجليز في مصر وأوعزوا للحكومة المصرية بمنع هذا الكتاب وملاحقة من وزعه، فداهمت المركز العام قوات من البوليس المصري فوجدت من الكتاب 150 نسخة .. وسأل رئيس القوة عن صاحب هذه الكتب فتقدم الأستاذ البنا وقال: أنا صاحبها، فطلب الضابط من الإمام البنا أن يصحبه إلى النيابة وجرى التحقيق التالي مع البنا رحمه الله:
س: هل أنت صاحب هذا الكتاب؟
ج: أنا صاحبها.
س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة؟
ج: أعلم ذلك، وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات، ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.
س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟
ج: أعلم، وأنا لا أمانع في إحالتي للقضاء، لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.
وأنهى وكيل النيابة التحقيق ورفعه للنائب العام ليحاكمه وكان الإمام البنا كما رأيتم يرغب بالمحاكمة لتكون له فرصة أمام القضاء ووسائل الإعلام ليبشر بفكرته وموقفه.
وهذا ما فطن إليه العملاء بتوجيه سادتهم الإنجليز والقادة الإنجليز في القاهرة، فقد قال السفير للنائب العام بعد أن قرأ التحقيق: إنك بهذا التحقيق تقدم لحسن البنا أعظم خدمة دون أن تدري … لقد استطاع هذا الرجل أن يضحك عليكم … لقد وزع الكتاب وأصبح في أيدي الناس في كل مكان وما صادرتموه منه لا يعد شيء يذكر بجانب ما تم توزيعه. إن أمنية هذا الرجل هي أن يقدّم للقضاء ليتخذ من منصة الدفاع عن نفسه في هذه القضية السياسية وسيلة إلى نشر أفكاره، وإلى التشهير بنا، وفضيحتنا، وتوصيل ما تضمنه الكتاب إلى أسماع من لم يصل إليه عن طريق الصحف التي ستتبارى في نشر ما يقال في القضية كدأب الصحف في القضايا السياسية … هذا التحقيق يجب أن يحفظ ويفرج عن الأستاذ البنا في الحال.
وقد سلكت الجماعة العديد من السبل لتوعية الأمة والشعوب الإسلامية بالقضية الفلسطينية:
منها إصدار منشورات تهاجم الإنجليز ومظالمهم في فلسطين وتبيّن خطر اليهود، وكانت توزع على نطاق واسع جداً.
ودعوته رحمه الله إلى مقاطعة المجلات اليهودية في القاهرة، فطبع قائمة كشوف بأسماء هذه المجلات وعناوينها، والأسماء الحقيقية لأصحابها، وذُيّلت هذه الكشوف بهذه العبارة : إن القرش الذي تدفعه لمجلة من هذه المجلات إنما تضعه في جيب يهود فلسطين ليشتروا به سلاحاً يقتلون به إخوانك المسلمين في فلسطين.
ومما يجدر ذكره أن الحكومة المصرية وسلطات الاحتلال كانوا جميعاً يفاجأون بهذه المنشورات، وهي تراها في أيدي الناس في الشوارع والمحلات والمعاهد والمدارس، وكان كبار موظفي الدولة والوزراء يذهبون في الصباح الباكر إلى مكاتبهم فيجدون هذه المنشورات عليها.
ثم طلب الأستاذ البنا إلى الإخوان المسلمين وسائر المسلمين في المساجد أن يقنطوا في صلواتهم من أجل فلسطين، ووجّه بذلك كتباً إلى شعب الإخوان ذاكراً مشروعية هذا القنوط في النوازل ونازلة فلسطين من أشد النوازل، واقترح دعاء مفاده طلب النصر من الله لإخواننا أهل فلسطين على أعدائهم وإزالة الكرب عنهم وتأييد جهادهم.
وقد أحدثت هذه الجهود بفضل الله تعالي أثرها المرجو .. ينبأنا به تلك التحقيقات مع شباب الإخوان في المعتقلات.
المحقق معه: مرسي الصوت (صياد).
يقول له النائب العام: مالك ومال فلسطين، دي دولة، واحنا دولة.
مرسي الصوت: فلسطين دولة عربية ومسلمين وتربطنا بهم صلة الجوار وصلة الإسلام والقرآن.
النائب: لكن أنت صياد وما لك تدخل في صفوف الطلبة.
مرسي الصوت: ليس في الإسلام عامل وطالب، كلنا في الإسلام إخوان مسلمون، ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
ويجري الحوار بين النائب والطالب محمود القبائي.
النائب: من الذي أصدر إليك الأمر بعمل مظاهرة لفلسطين.
الطالب: الإسلام يأمرنا بالتعاون والتساند، ورسولنا يقول لنا: (مَنْ لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم).
النائب: لكن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرها.
الطالب: فلسطين جارة لنا، وهي أقربُ لنا من أسوان، ولابد من الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذّر الله منهم.
ومما يجدر ذكره أن الأستاذ البنا قد زار بعض الطلاب المعتقلين في دمنهور فقال له مأمور القسم يجامله: إن المسألة بسيطة وقريباً سوف تفرج عنهم النيابة.
فقال له الأستاذ المرشد: إن هذه أول دفعة، وسوف تأتيك دفعات أخرى ما بقي حالُ البلاد الإسلامية على هذا لمنوال، فكلّ هذا بالنسبة لنا تربية.
ومنذ أن قامت الثورة الفلسطينية القوية في عام 1936م، أصبحت القضية الفلسطينية القضية الرئيسية في مشوار جهاد الإخوان المسلمين المقدس.
حيث قام المجاهدون الفلسطينيون وأعلنوا الإضراب الذي استمر ستة أشهر فعطلت فيها مرافق البلاد مطالبة بوقف الهجرة اليهودية إلي فلسطين، وإقامة حكومة وطنية، وقد حاول الأنجليز قمع هذه الحركة بالقوة ولكن تحولت هذه الحركة إلى ثورة، واستعصم المجاهدون بالجبال الوعرة .. وارتكب الإنجليز في هذه الفترة من الجرائم الوحشية ما يندي له جبين الإنسانية .. فدمروا المنازل، وأحرقوا القرى، وتركوا المدن نهبا مباحاً، ولكن لم تزد هذه الأعمال النار إلا اشتعالاً ولم تزد الشعب إلا تمسكاً بحقوقه والدفاع عنها.
فعمد الإنجليز إلى أسلوب جديد وطالبوا ملوك العرب وأمراءهم بالتدخل لإنهاء الحرب والحالة المضطربة في البلاد فاستجاب الملوك والأمراء وأصدروا نداءات للمجاهدين يطلبون فيها إنهاء الثورة، ويعدون المجاهدين بالتدخل الحاسم لحفظ حقوق العرب المشروعة في فلسطين.
وللأسف الشديد انخدع الأخوة الفلسطينيون بهذه النداءات فأعلنوا نهاية الثورة، وتألفت لجنة مشتركة لبثت في فلسطين فترة طويلة ثم قدمت تقريرها عام 1937م الذي أشارت فيه لأول مرة إلى تقسيم فلسطين إلي دولتين مستقلتين فثار الفلسطينيون من جديد .. وخرجت المظاهرات في أغلب محافظات القطر المصري وكان أبرزها تلك المظاهرات التي اشتعلت في الإسكندرية والتي قبض في أثنائها علي الأخ الحاج عباس السيسي وجمع كبير من إخوانه، وكذلك حدث في مظاهرات الإسماعلية أن قبض علي الأخ المرحوم الشهيد يوسف طلعت وبعض إخوانه.
رد الإخوان على الكتاب الأبيض
وأصدرت الحكومة البريطانية ما أسمته بالكتاب الأبيض الذي بيّن سياسة الإنجليز في فلسطين، وخيب أمل الفلسطينين والعرب جميعاً.. فكتب الإمام الشهيد حسن البنا خطاباً وجّهه إلى رفعة رئيس الوزراء وقتئذ المرحوم محمد محمود باشا بتاريخ 2 ربيع الثاني 1358 هـ (الموافق 21 من مايو سنة 1939م) بدأ بالفقرة الآتية بعد أن حمد الله وأثني عليه.
“أما بعد ..
فقد نشرت الصحف نص الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الإنجليزية عن فلسطين وقرأ الإخوان المسلمون ذلك الكتاب المشئوم في ألم واستنكار وثورة.
أما الألم فلتلك النكبات المتلاحقة التي تحل بفلسطين الأبية المجاهدة ذلك الجزء العزيز الغالي من الوطن الإسلامي العام.
وأما الاستنكار فلذلك التحدي الصريح لشعور المسلمين، وتلك الإهانة القاسية لزعمائهم ورؤساء حكوماتهم.
ولقد كان للحكومة المصرية من هذه الإهانة الحظ الأوفر إذ ساهمت في محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب.
وأما الثورة فسأكون يا صاحب المقام الرفيع صريحاً معكم في بيانها إلى أبعد حدود الصراحة.
ثم قال الإمام الشهيد رحمه الله:
فمنذ قامت الثورة الإسلامية بفلسطين والإخوان المسلمون يساهمون مع جنود تلك الثورة الرائعة الكريمة بأموالهم وإن قلت وبجهودهم وإن انحصرت في نطاق ضيق، وكنا نحاول دائماً أن نهديء من ثائرتهم آملين أن تصل الحكومات العربية إلى حل لقضية الإسلام والعروبة يحقق للمسلمين آمالهم وللعرب حقوقهم، ولقد شجعنا على انتهاج سبيل التهدئة ما كنتم تصرحون به رفعتكم من أن مصلحة القطر الإسلامي الشقيق تقتضي سير المفاوضات في جو هاديء. ولقد كنا متوقعين برغم ذلك طوال تلك الفترة العصيبة من أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة هي لغة الثورة والقوة والدم. ولكن تحاشينا أن نتعجل الحوادث حتى لا يكون لأحد حجة علينا إن اضطرتنا الحوادث فيما بعد إلى أن نسلك السبيل الذي ترضاه ضمائرنا.
والآن وقد جاهر الإنجليز واليهود في كل أنحاء العالم حتى يهود أمريكا التي تتخذ الحياد شعاراً لها في كل مشاكل العالم الآن.
وقد جاهر الإنجليز واليهود المسلمين بالعداء فأصبح لزاماً على كل أخ مسلم أن يؤدي واجبه بما يرضي الله ورسوله وبما يحفظ للإسلام كرامته وللدين قداسته ولذلك الجزء الطاهر من أرض الوطن الإسلامي حريته”.
كما جاء في فقرة أخرى من الخطاب:
يا صاحب المقام الرفيع:
“إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين.. إن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلى .. إن شباب العرب الذين أرسل بهم الانجليز إلى المشانق مئات إثر مئات .. إن الشيوخ الذين أنزل بهم المستعمرون ألواناً وحشية من التعذيب الذي أعاد إلى الأذهان صور محاكم التفتيش في أسوأ عهودها.. إن المسجد الأقصى الذي انتهكت حرمته واعتدى الجنود الإنجليز على قداسته..
إن كرامة زعماء المسلمين وملوكهم وأمرائهم الذين تدخلوا في هذه القضية فلم يسمع لهم مشورة ولم يطع لهم قول بل كرامتكم أنتم شخصياً وقد كنتم محل أمل كبير في ذلك..
إن كل أولئك يهيب بك أيها المسلم أن تبذل في سبيل الله ما وهبك الحق تبارك وتعالى من روح ومال لتكون جديراً بالاسم الذي تحمل وباللواء الذي ترفع وبالزعيم الذي أنت به مؤمن، ويجعل من الواجب على الحكومة المصرية وقد لحقت بها تلك الإهانة البالغة أن تحافظ علي كرامتها - وكرامتها من كرامة الشعب - وليس يكفي أن تعلن أنها لا توصي أبناء فلسطين بقبول الكتاب الأبيض، فهناك وسائل كثيرة أقلها استقالة الحكومة حتى لا تتعاون مع الإنجليز في الوقت الذي تلعب فيه السياسة الإنجليزية ببقعة غالية من الوطن الإسلامي العزيز”.
كما أرسل الإمام الشهيد في نفس التاريخ خطابا إلى السفير البريطاني في مصر يندد فيه بالسياسة الإنجليزية في فلسطين ويشجب الكتاب الأبيض ويطلب إليه رفع الاعتراض على هذه التصرفات إلى حكومته بلندن .. وقد قال الأٍستاذ البنا رحمه الله في المذكرة:
“إن قضية فلسطين قضية كل مسلم، وإن الحكومات الإسلامية والشعوب الإسلامية إن عبرت عن إظهار هذا الشعور المتمكن من نفوسها.. فإن هذا مما يزيد ألمها، ويضاعف همومها، وبالتالي لابد من الانفجار يوماً للشعور المكبوت، فتخسر إنجلترا صداقة العالم الإسلامي إلى الأبد، نرجو أن تدرك الحكومة البريطانية هذه الحقيقة قبل فوات الوقت بالرغم من كل ما يخدعها به اليهود”.
خطاب من المرشد العام
إلى حاخام وكبار الطائفة الإسرائيلية
تحية طيبة وبعد:
فقد قرأت بجريدة (أخبار اليوم) وجريدة (الزمان) أمس أن الحكومة المصرية قد اتخذت التدابير اللازمة لحماية ممتلكات اليهود ومتاجرهم ومساكنهم .. الخ، فأحببت أن انتهز هذه الفرصة لأقول إن الرابطة الوطنية التي تربط بين المواطنين المصريين جميعاً على اختلاف أديانهم في غنى عن التدبيرات الحكومية والحماية البوليسية ولكن نحن الآن أمام مؤامرة دولية محكمة الأطراف تغذيها الصهيونية لاقتلاع فلسطين من جسم الأمة العربية، وهي قلبها النابض.
وأمام هذه الفورة الغامرة من الشعور المتحمس في مصر وغير مصر من بلاد العروبة والإسلام، لا نرى بداً من أن نصارح سيادتكم وأبناء الطائفة الإسرائيلية من مواطنينا الأعزاء بأن خير حماية وأفضل وقاية أن تتقدموا سيادتكم ومعكم وجهاء الطائفة فتعلنوا على رؤوس الأشهاد مشاركتكم لمواطنيكم من أبناء الأمة المصرية مادياً وأدبياً في كفاحهم القومي الذي اتخذوه - مسلمين ومسيحيين - لإنقاذ فلسطين، وأن تبرقوا سيادتكم قبل فوات الفرصة لهيئة الأمم المتحدة والوكالة اليهودية ولكل المنظمات والهيئات الدولية والصهيونية التي يهمها الأمر بهذا المعنى، وبأن المواطنين الإسرائيليين في مصر سيكونون في مقدمة من يحمل على الكفاح لإنقاذ عروبة فلسطين.
يا صاحب السيادة:
بذلك تكونون قد أديتم واجبكم القومي كاملاً وأزلتم أي ظل من الشك يريد أن يلقيه المغرضون حول موقف المواطنين الإسرائيليين في مصر وواسيتم الأمة كلها والشعوب الإسلامية في أعظم محنة تواجهها في تاريخها الحديث، ولن ينسى لكم الوطن والتاريخ هذا الموقف المجيد.
وتفضلوا بقبول فائق احترامي.
حسن البنا
ومما يجدر ذكره أنه حينما سئل رئيس وزراء مصر وكان النحاس باشا، وهو في طريقه إلى فرنسا عن رأيه في الثورة المشتعلة في فلسطين وبيت المقدس والتي استمرت حتى عام 1939م وأوقعت آلاف الشهداء والجرحى، وزجّ بعشرات الألوف في غياهب السجون، فأجاب بقوله: أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيساً لوزراء فلسطين، ونشرت كثير من الصحف العربية والأجنبية هذا التصريح.
ولما بلغ هذا التصريح الأستاذ البنا انتفض أسداً يصدر تعليماته على الفور لجميع شعب الإخوان المسلمين ليتظاهروا احتجاجاً على ما تضمنه التصريح من تخلٍّ صريح عن فلسطين، فعمَّت المظاهراتُ جميع أرجاء القطر المصري، ورفعت شعارات تتضامن مع أهل فلسطين وتندد بالسياسة البريطانية فيها:
- فلسطين تحترق فتنبّهوا أيها المسلمون.
- فلسطين عربية إسلامية.
- تسقط بريطانيا حليفة اليهود ويسقط وعد بلفور.
- الدمار لأعداء الإسلام.
فدفعت الحكومة المصرية أعداداً من البوليس فاعتقلوا شباب الإخوان وفتشت بيوتهم وأسيء إلى أسرهم.
ولقد استطاع الإمام البنا رحمه الله أن يتجاوز حدود مصر في العمل السياسي وبخاصة إلى قضية فلسطين، فدعا إلى عقد أول مؤتمر عربي من أجل نصرة فلسطين، وقرر أن يكون مقر المؤتمر دار المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين بالقاهرة، ووجّه الدعوات إلى رجالات البلاد العربية، فلبّوا النداء، وحلّوا ضيوفاً على جماعة الإخوان المسلمين.
وفي نهاية المؤتمر تكلم الأستاذ البنا، وختم المؤتمر بقرارات تطالب حكومات الدول العربية بالتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من المؤامرة الإنجليزية اليهودية.
وبعد هذا المؤتمر صار يتوافد على دار المركز العام كثيرون من ذوي الرأي والسياسة ليتفاهموا مع الإخوان المسلمين فيما يجب عمله لإنقاذ فلسطين، وتمخضت الكفاءات عن ضرورة عقد مؤتمر برلماني عالمي، فوجهت الدعوات إلى جميع برلمانات العالم لعقد مؤتمر في القاهرة لمعالجة قضية فلسطين. فاستجابت كثير من البرلمانات فأوفدت ممثلين لها وعقد المؤتمر بالقاهرة، وكان هذا أول مؤتمر عالمي من أجل فلسطين، فشرحت القضية الفلسطينية، وانتهى المؤتمر بقرارات موجهة إلى جميع العالم وإلى الحكومة البريطانية بخاصة بوجوب المحافظة على حقوق أهل فلسطين.
لقد كان هدف الإخوان من هذه المؤتمرات هو أن يسمع العالم كله بعدالة هذه القضية وظلم الإنجليز الذين يزيفون الحقائق بتواطؤ مع اليهود.
وقد قام الإمام البنا رحمه الله بمظاهرة بلغت نصف مليون في 4/12/1947 انطلقت من الأزهر تضم الطلاب والعمال والمحامين والمهندسين ووقف خطيباً في الجماهير المحتشدة وكان مما قال: إن هذا الشباب ليس هازلاً، ولكنهم جادون عاهدوا الله ثم الوطن أن يموتوا من أجله، إن كان ينقصنا السلاح فسنستخلصه من أعدائنا ونقذف بهم في البر.
لقد آمن الإمام البنا رحمه الله أن الطريق السليم للمحافظة على الحقوق وتخليصها من مغتصبيها هو القتال.
وحين تشكلت المنظمات العسكرية العربية وأخذت تمارس تدريبها قام خلاف بين قادة “النجادة” و”الفتوة” وفطن الإخوان المسلمون للخطر الكبير الذي ينطوي عليه هذا الخلاف فقاموا بمحاولات كثيرة للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة انتهت باختيار المجاهد الكبير المرحوم (الصاغ محمود لبيب) وكيل الإخوان المسلمين منظماً لهذه التشكيلات، وأخذ يباشر تنفيذ برنامجه ولكن لم تمض إلا فترة وجيزة حتى فطنت الحكومة البريطانية إلى هذا الخطر فأوعزت إلى الحكومة المصرية بمطاردة دعاة الإخوان وشبابهم، وأمر الصاغ محمود لبيب بمغادرة البلاد.
ولما أصبحت الحرب ضرورة ملحة التقى سماحة المرحوم السيد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا بفضيلة الإمام الشهيد حسن البنا وتشاورا في هذا الأمر وكان أن طلب الإمام الشهيد اجتماع الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين وحضر بالنيابة عن سماحة المفتي الشيخ محمد صبري عابدين سكرتير الهيئة العربية العليا الذي قام خطيبا في هذا الاجتماع وشرح الظروف القاسية التي تمر بها فلسطين وحاجة المجاهدين إلى السلاح والرجال والمال.
وتقرر في هذه الجلسة إنشاء المعسكرات لتدريب الإخوان للجهاد على أرض فلسطين، وأخذ فريق آخر يجمع المال اللازم لهذه المعركة، كما قام الفريق الثالث بجمع الأسلحة التي يمكن الحصول عليها، وقد واجهت الحكومة المصرية بإحالة المشتركين فيه إلى المحاكمة، ولكن القضاء المصري النزيه حينما عرف سمو المقصد وأن هذا السلاح من أجل فلسطين أفرج عن المقدمين للمحاكمة وعن السلاح أيضاَ.
برقية من الإمام البنا
وقبل انتهاء الانتداب البريطاني في 15/5/1948م اجتمع زعماء الدول العربية في “عالية ” بلبنان أرسل البنا رحمه الله برقية لهم يخبرهم بأنه على استعداد أن يقدم عشرات الألوف من شباب الإخوان المسلمين إلى فلسطين لتحريرها أو الاستشهاد فيها، وأن الكتيبة الأولى وعددها عشرة آلاف متطوع مجهزة للدخول والقتال.
جهاد الإخوان في سنة 1948م
وعندما دخل الجيش المصري فلسطين اشترك الإخوان في معظم العمليات الحربية التي قام بها جيشنا الباسل ورغم ذلك لم تخفف حكومة النقراشي القضية على دخول مزيد من الإخوان إلى ساحة الجهاد في فلسطين واضطر العديد من الإخوان الدخول إلى فلسطين سيراً على الأقدام.
ونجح الإخوان في التسلل عبر الحدود واستطاعوا أن يحملوا لواء الجهاد الشعبي ونجحوا في إدخال عدد كبير من خيرة شبابهم من مصر وسوريا وشرق الأردن.
ففي الوقت الذي كانت فيه القوة الأولى ترابط في النقب كانت القوة الثانية بقيادة الأخ الأستاذ المجاهد محمود عبده شفاه الله وعافاه تنتقل إلى معسكر (قطنة) بسوريا وتلحق بها قوة كبيرة من الإخوان المسلمين في شرق الأردن وكذلك تلحق بهم قوة من إخوان سوريا بقيادة (الشيخ مصطفي السباعي) رئيس الإخوان في سوريا.
وعندما قَبل العرب الهدنة، التي كانت في حقيقتها خدعة لإلقاء العرب السلاح، واستثمار اليهود الوقت لالتقاط الأنفاس، ومن ثم تعبئة قواتهم، والاستعداد مجدداً للانقضاض على العرب، وقضم أكبر قدر من فلسطين، وحينما ضويق المجاهدون من الإخوان، في الأرض المقدسة، ومنعوا في بلادهم من الالتحاق بإخوانهم المتطوعين هناك، حيث كان يشتد أوار القتال، وحلت جماعتهم في مصر، وجّه الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله خطاباً لرئيس الوزراء، النقراشي باشا، يقول له فيه: “لماذا تقبل الهدنة مع اليهود في فلسطين؟ إن الحرب في فلسطين بين عصابات صهيونية وافدة على أرض فلسطين، ونحن عصابات إسلامية مثلها. دع العصابات تضرب بعضها، فإن انتصرنا، ففي هذا مجد مصر، وإن متنا، دخلنا الجنة التي زحفنا إلى فلسطين شوقاً إليها. أتركنا في فلسطين نصارع الصهيونية، وأنت من حقك تحت الضغوط الدولية، أن تقبل الهدنة كما تشاء، ولكن ليس من حقك أن تمنع عصابات عربية أو مسلمة من أن تشتبك مع الصهاينة. الصهاينة عصابات ليست من فلسطين، ونحن عصابات لسنا من فلسطين. فليضرب الحق الباطل!”.
وبهذه المناسبة نذكر أنه بينما كان الإمام الشهيد في جولة يتفقد مواقع المعركة علي أرض فلسطين إذ رأى فتى صغيراً يحمل بندقيته بين يديه وتبدو عليه روح الجهاد والصرامة فسأله الإمام: ما اسمك يا فتى؟.. فقال: قيس.. فقال له مداعباً: وأين ليلاك؟.. فقال: ليلاي في الجنة، فسر الإمام من إجابته ودعا وله بخير.
وزاد من خوف الإنجليز ما أذاعه المرشد العام عن عزمه على إعلان التعبئة الشعبية والجهاد المقدس .. كل هذه الأسباب جعلت بريطانيا وزميلتها الاستعماريتين فرنسا وأمريكا تضغط على النقراشي وتأمره بحل الإخوان المسلمين والتضييق عليهم.
فقامت حكومة النقراشي في مصر بما يرغبه الإنجليز في منع كثير من مجاهدي الإخوان المسلمين إلى دخول فلسطين والجهاد فيها، مما اضطر والحالة هذه بعض الشباب من المجاهدين إلى السير على الأقدام مسافات طويلة حتى دخلوا أرض فلسطين .. وكذلك طلب بعض الإخوان من حكومة النقراشي السماح لهم بالقيام في رحلة علمية إلي سيناء فوافقت حكومة النقراشي بعد إلحاح وتسللت تلك المجموعات بعد ذلك إلى فلسطين سراً وكان هذا الفوج في صحراء النقب.
وحينما علمت حكومة النقراشي بذلك طلبت من الإمام الشهيد سحب قواته من النقب ولكن الإمام رفض، فقطعت الحكومة عن مجاهدي الإخوان الإمدادات والتموين وقامت بمراقبة الحدود بشدة.
حل الإخوان
ولكن خطة التآمر وصلت ذروتها فاستجاب النقراشي رئيس وزراء مصر لمطالب الاستعمار وحل الجماعة في مصر وقبض علي قياداتها، وأودع السجون والمعتقلات أفرادها .. وصادر أموالهم وسائر ممتلكاتهم، وبالرغم من كل هذه الأحداث الأليمة كان الأستاذ البنا رحمه الله حريصاً على استمرار الجهاد في فلسطين، فأرسل رسالة إلى إخوانه المجاهدين يقول فيها: إن لا شأن للمتطوعين بالحوادث التي تجري في مصر، ما دام في فلسطين يهودي واحد، فإن مهمتهم لم تنته .. ثم يختم رسالته بوصية طويلة للإخوان يوصيهم فيها بالتزام الهدوء وحفظ العلاقات الطيبة مع إخوانهم وزملائهم ضباط الجيش وجنوده المجاهدين.
وكان خاتمة المطاف أن قرر خليفة النقراشي في رئاسة الحكومة المصرية إبراهيم عبد الهادي باشا اغتيال الإمام الشهيد وبذلك أسدل الستار الأسود على قضية فلسطين، وسجل الله تعالى بهذا الاغتيال موقف الإمام الشهيد من هذه القضية.
ومما يجدر ذكره هنا أن الحكومة المصرية التي كان يرأسها إبراهيم عبد الهادي قد شددت حملاتها في مطاردة الإخوان المسلمين وزجهم في غياهب السجون وأخذت تحيك المؤامرة ضد الأستاذ البنا لقتله والتخلص منه، بينما كان المجاهدون من الإخوان على أرض فلسطين قلوبهم تتمزق على ما يجري لإخوانهم على أيدي الطغاة والعملاء.
وهنا يبرز سؤال في الأذهان هو: لما وقتُ حل الإخوان في هذه الظروف العصيبة بالنسبة للقضية الفلسطينية؟ .. ولقد أجاب الأستاذ البنا رحمه الله على هذا السؤال فقال: إن رغبة الحكومات العربية في إنهاء قضية فلسطين، وعلى غير ما تريد الشعوب، كان من العوامل التي أوحت للحكومة المصرية بهذا الموقف. (الإخوان المسلمون والمجتمع المصري).
ولقد كتب الأستاذ البنا رحمه الله قبل استشهاده مذكرة فند فيها أسباب الاتهامات الباطلة التي انتحلتها الحكومة المصرية آنذاك للكيد للإخوان، وتدبير قرار الحل الغاشم الذي استصدرته وعنون لهذه المذكرة بعنوان: قولٌ فصل.
وقد جاء في هذه المذكرة فقرة: من الذي يفعل هذا ويحكم به؟ الحكومة المصرية التي أخفقت في المفاوضات مع الإنجليز فقطعتها وذهبت إلى مجلس الأمن فعادت بخفي حنين، وتركت قضية الوطن على رفوف في زوايا الإهمال والنسيان، وتجاهلت الإنجليز بعد ذلك تجاهلاً تاماً، وتركتهم يفعلون ما يريد
يناير 18th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , أخلاق و تزكية, إسلام, تراجم الرجال, ثقافة عامة, شؤون - عربية, فكر إسلامي, فلسطين,

يناير 15th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , أخبار, إسلام, تاريخ وطني, تراجم الرجال, شؤون - عربية, فلسطين,
اضغط على الرابط
يناير 13th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , تاريخ وطني, تراجم الرجال, ثقافة عامة, حقوق إنسان, شؤون - عربية, فلسطين,
يناير 13th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , أخبار, إسلام, تاريخ وطني, تراجم الرجال, دعوة وحركات إسلامية, سياسة, شؤون - عربية, فكر إسلامي, فلسطين,
يناير 12th, 2009 كتبها ( ليبيا ... نغماً في خاطري ) نشر في , أخلاق و تزكية, إسلام, تاريخ وطني, تراجم الرجال, ثقافة عامة, حقوق إنسان, فكر إسلامي, فلسطين,












