صواريخ المقاومة.. ترفع تكلفة الاحتلال الإسرائيلي
مدخل..
(ومقابل ماذا يحشرون شعبهم المشلول في حبسٍ مأساويٍ، حبسٍ اسمه غزة، ويستمرون في إطلاق صواريخ لا تفعل أكثر من حفرٍ صغيرةٍ في أرصفة تل أبيب.. ثم يغضبون عندما تهرشهم إسرائيل القبيحة، بتلك البشاعة، وتجعل بيوت المدنيين ركاما مختلطا بعظامهم، بل يطلقون ألسنتهم بالسباب واتهام العرب والمسلمين جميعا بالتواطؤ والخذلان والخيانات، ولا يتذكرون وسط كل هذا من إساءتهم لشعبهم ومقامرتهم به شيئا)!! [عبد الله ثابت، جريدة الوطن السعودية، العدد: 3015، 3/1/1430هـ].
(جرّب العرب الحروب فلم تزدهم إلا خبالا وخسارا، وجرّبوا المقاومة المسلّحة فلم تزدهم إلا رهقا وتشتتا وضياعا… حماس تنطلق من رؤية جماعة الإخوان المسلمين التي تريد الوصول إلى السلطة بأي ثمنٍ والمحافظة عليها بأي سعر، حتى لو كان الثمن دماء الفلسطينيين ودمار غزّة، وأن يخربوا بيوت الفلسطينيين… إنّ جرح فلسطين الغائر لن يحلّه الغوغائيون، ولن ينقذه المتاجرون به، بل حلّه يكمن في العقل والحكمة والسياسة الواعية المنضبطة، بعيدا عن الشعارات والهتافات الفارغة التي تضرّ أكثر مما تنفع). [عبد الله بن بجاد، صحيفة الاتحاد الإماراتية 1/1/1430هـ].
( وذبيحة غزّة التي لم ينِ الجزّار الفاتك الإسرائيلي يعيث فيها تقتيلا وتجريحا وتدميرا هي ذبيحة لها جلاب أوصلها لحتفها، فالجزّار الإسرائيلي لم يستيقظ ذات صباحٍ ليقول سأهاجم غزّة هذا الصباح، ولكنّ المتحرّشين به بلا سببٍ هم الذين جلبوها له على طبقٍ من دمٍ وشعاراتٍ وغوغائيةٍ، وهم الذين قالوا له بلسان الحال اذبحها لنمشي في جنازتها) [عبد الله بن بجاد، صحيفة الاتحاد الإماراتية، 8/1/1329هـ].
(قليل من الألعاب النارية، التي قتلت من الغزاويين أكثر مما قتلت من الإسرائيليين، وتهجم إسرائيل، وينسى الجميع البرنامج النووي الإيراني، وهذا هو كل ما تريده إيران، كما «القاعدة» وكل المنظمات المتطرفة التي لم تحظ بدولة) [تركي الحمد، صحيفة الشرق الأوسط، 3/1/1430هـ].
(واليوم، ونحن على صدى تبرعات جديدة لفلسطين، نفكر ونسأل، ويخرج السؤال من الحلق إلى الخلق بعد طول صمت: هل تجد السعودية التقدير الشعبي العام بعد ذلك كله؟) [فارس بن حزام، صحيفة الرياض، العدد:14799، 2/1/1430هـ].
قصف بالعبارات!
هذه عبارات طائفة من الكتابِ والمثقفين تعليقا على حربِ غزةَ الطاحنة التي ذهب ضحيتها حتى هذه اللحظة آلاف القتلى والجرحى!
عبارات – وإن حاولت عبثا أن تجعل بين يديها مقدمات تضامنية مع الشعب المحاصر– لا تنتهي إلا إلى خذلان غزةَ وأهلها، لتكون (قصفا) آخر فوق القصفِ الذي تتعرضُ له!
وفي حين نجدُ كتابا غربيين بل يهود (مثل روبرت فيسك، وماري فويس، وكاسيلرز) يشنّون حملةً شعواء على إسرائيل ووحشيتها وهمجيتها ويصرحون بأنَّ للمقاومة حقها المشروع، يشنّ إخواننا هؤلاء –غفر الله لهم– حربا شرسةً على المقاومة الفلسطينية!
لن أدخل هنا في سياقات تخوينٍ وعمالةٍ! فتلك أمورٌ يصعبُ الجزم بها من أجل موقفٍ فكريّ أو رأيٍ سياسيّ، وسأحاول –بصعوبة بالغةٍ– أن أتجرّدَ من العواطف الثائرة لأناقشَ هذه الأطروحاتِ بذات العقلانية التي تزعم أنها تتحلى بها.
تتبنى هذه الأطروحات في مجملها ثلاث أفكار رئيسية:
الفكرة الأولى: أنَّ صواريخ المقاومة وألاعيبها القتالية هي السبب المباشر فيما حدث لغزّةَ، وبالتالي فهي شريكة (للجزار) في جريمة (الذبح)!
الفكرة الثانية: أنّ المقاومة الفلسطينية الإسلامية إنّما تسعى إلى السلطة من جهة، وتحقيق أجندة خارجية من جهة، وكل ذلك على حساب الفلسطينيين المساكين، متاجرةً بدمائهم، غير عابئة بأرواحهم!
الفكرة الثالثة: أنَّ المقاومة الفلسطينية لا تشكر جميلا، ولا تحفظُ معروفا، وأنّها تستلم تبرعاتِ الدولِ بيد وترجمهم بحجارة التخوين باليد الأخرى!
وجِماعُ هذه الأفكار الثلاث أن المقاومة الفلسطينية المسلحة (غلطانة من ساسها لراسها) كما تقول العامة! أو هي غارقةٌ في الرَّطَأِ واللُّغابةِ والتَّهْتارِ والطَّرَطِ (كلها بمعنى الحماقةِ)، ورموزها أصحابُ هذرٍ وكَنْخَبةٍ (كلها بمعنى الخلط في الكلام) كما يقول العرب الأقحاح!
طلاب سلطة أم شهادة!
بعبارة أخرى، تفضي هذه المقولات إلى حقيقةٍ واحدةٍ هي أنَّ خيار المقاومة المسلحة خيار خاطئ من كل جهةٍ. وأن الحلّ –كما قال أحدهم- يكمنُ في العقل والحكمة والسياسة الواعية المنضبطة، بعيدا عن الشعارات والهتافات الفارغة التي تضرّ أكثر مما تنفع.
وسأكون هنا معنيا بمناقشةِ الفكرةِ الأولى فحسب؛ لأنّه من العبثِ أن يصدق عاقل أن أولئك المقاتلين الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم، واصطفوا في طوابير الشهادةِ منذ عشرات السنين هم طلاب سلطة! نحن نفهم أن يكون الفارون من المعتركِ، والذين يعيشون في الرفاهيةِ يجنون الملايين، والذين يكتفون بالتصريحات وهم آمنون، نفهم أن يكونوا طلاب سلطة.. لكنْ كيف يكون طالبَ سلطةٍ من يشرع صدره للموتِ، ويطلبُ الشهادة بابتسام؟
كيف للمقاومة أن تكون باحثةً عن سلطةٍ وكل قياداتها بلا استثناء نالت الشهادةَ أو تعرضت لمحاولة اغتيال؟
وكيف تكون (متفرّسةً) ذات أجندة إيرانية وهي التي جاءت بطوعها إلى صلح مكةَ، تلك الخطوة التي أغضبت إيران غضبا شديدا لأنّها أعطت للسعودية شرف السبق؟
وأمّا المنُّ على إخواننا بتبرعاتِنا، والغضب إذا اشتكوا من بعض تقصيرنا، فلا أجد لها مثلا إلا طالبا كلف بثلاثة واجبات، فأنجز واحدا منها على وجهه وأغفل اثنين، فلما لامه أستاذُهُ على ترك الواجبين غضب وقال: ألا يكفيك أنني حللت الواجبَ الأول بإتقان!!
حسنا.. لقد تبرعنا.. وأردنا بذلك وجه الله لا شكر الناس.. وقد شكرَنا إخواننا مع ذلك علنا ورحبوا بوقفتنا، لكنهم عتبوا علينا أننا تركناهم يموتون ويقتلون وقد كان بوسعنا أن نفعل أشياء كثيرة.
هل أخطئوا؟!! لا أظن!! ولكن هكذا يظنُّ من يمنُّ على الناس بما أعطاهم.. بل.. بل بما أعطاهم غيره!!
لذلك قلت: سأقتصر على مناقشة الفكرة الأولى.. فكرة أن صواريخ المقاومة هي سبب المشكلة.
مقارنة تكشف الحقيقة
لنبدأ نقاشنا من هذه المقارنة التاريخية بين ما حدث قبل اثنتين وأربعين سنة وما يحدث الآن.
في حرب حزيران 67 تمكّنت إسرائيل من تدمير كامل سلاح الجو الأردني، ومعظمِ السلاح الجويّ السوريّ، وعددٍ كبيرٍ من طائراتِ الجيش العراقي!! واستولت على منابع النفط في سيناء!! وسيطرت إسرائيل على منابع مياه الأردن!! وتحكمت في خليج العقبة!! واكتشف العربُ أنّهم خسروا –في خمسة أيام فقط- عشرة آلاف شهيد وجريح، وخمسة آلاف أسير، وأنّه قد شُرّد نحو 330 ألف فلسطيني!!
وأن إسرائيل قد احتلت أراضي من خمس دول عربية هي: مصر (شبه جزيرة سيناء وغزة)، وسوريا (هضبة الجولان والحمة)، ولبنان (مزارع شبعا)، والأردن (الضفة الغربية والغور)، والسعودية (جزيرتا تيران وصنافير على مدخل خليج العقبة).. وأنّ ما احتلته إسرائيل في تلك الحرب ضاعف مساحتها ثلاث مراتٍ!! (1)
وأبشع من هذا كله.. ضاعت القدس!!
لم تكن إسرائيل وقتها في مواجهةِ الفلسطينيين وحدهم بل واجهت العرب جميعا.. العرب الذين كانوا يمتلكون قرابة ألفين وثلاثمائة دبابة مقابل ألف دبابة إسرائيلية!
العرب الذين كانوا يمتلكون قرابة ستمائة طائرة بإزاء مائة وسبعٍ وتسعين طائرة إسرائيلية!
العرب الذين كان تعداد مقاتليهم ثلاثمائة وثلاثين ألفا بإزاء مائتين وخمسين ألفا من الإسرائيليين!
ومع تفوق ميزان القوى لصالح العرب كان ما كان.. وشهد الخامس من يونيو 1967م أقصر حرب في التاريخ.. حرب لم تدم أكثر من خمسةِ أيام، ضاع فيها كل شيء!!
انتهت المقاومة.. وانكسرت الجيوش.. واستسلم الجميع!!! وبقيت الجولان وسيناء.. الجولان محتلة حتى الآن وسيناء في حكم المحتلة!!
واليوم.. ها نحنُ في عاشر يومٍ من أيام حرب غزةَ الغاشمة.. الحربُ التي بدأت بغتةً بعد تطمينات (عربية) للفلسطينيين بألا شبحَ حربٍ يلوح في الأفق!!
الحرب التي اختارت إسرائيل لبدايتها توقيت الذروة (الحادية عشرة والنصف صباحا) ليزداد عدد الضحايا.
الحرب التي ألقت وتلقي فيها إسرائيل بثقلها العسكري أطنانا من القذائف على بقعةٍ صغيرة لا تتجاوز مساحتها 300 كم مربع