مشاهد من سيرة حياة
راشد الزبير السنوسي
المنارة – 15-10-2009
مقدّمـة
القفل : هذا الاسم الكريه الّذي كلّما بدا منطبعا علي سطر نفرت منه النواظر لأنّه كالموت هادم للّذات مفرق للجماعات ، ويمثّل شهوة التّسَلّط ، ونقيض الحريّة بكل ماتحمله من دلالات تعكس تطلعات الإنسان نحو الأفضل وطموحه لمعانقة الحياة.
علاقتي به ليست ودودة ولا تحمل الاّ السّوء . بدأت من مشاهدتي له يتدلّي في تيه علي باب الزّنزانه ، وعندما أغلق الباب خلفي أحسستُ به وكأنّه يعتصر الحلقة الّتي يتحكّم منها في حرّيتي انسجاما مع الجو الّذي نبت فيه ، كان تطلّعي إليه من بعيد ولم أكن أقدر علي الإقتراب منه ولمسه لأنّه من ذات النّسيج الذي لا يفاجئك أيّ شئ يصدر عنه إلاّ المشاعر الإنسانية والإنتصار للحق والإنصاف ، وتوالت الأيّام والشّهور .
والسنوات وهو حيث هو لا يرقّ ولا يلين ، وكلّما قدم العهد به علاه الصدأ وصار له صرير مفاصل العجوز الذي لا يريد الإعتراف بالعجز فيكابر ويكابر ، ولكنّ دورة الأيّام أقوي منه فلمّا آذن الله بالفرج انحلّت عراه وبقي مفتوح الفم كالمنشده ممّا يحدث .
لا يود له أن يكون ، وليس بمقدوره أن يمنعه . وتجرأتُ وتقدّمت منه علي وجل أول الأمر ، ثم لما أدركت أنّه لا يقدر علي غلق الباب ، انتزعته من حلقته وكأنني أقول له : الآن عليك تدور الدوائر ، هاهو من كان لايقدر حتي علي التّطلع نحوك يمسك بك بل يدوس عليك ولاتقدر علي الحراك ، وأخذته معي وأنا أغادر ذلك المكان الكريه ليمثّل لي دائما ذكري سيئة عشتها وعاشها كثيرون غيري .
وعندما أصبح بأمكاني التّطلعّ دون حرج واستنشاق الهواء دون قيد بهتت صورته في ذهني ، ولم أعد أذكره إلاّ لماما ، وذات يوم كنت أبحث في أشيائي القديمة وإذا بنظري يقع عليه ملقي في زاوية قد علاه الغبـــــار ، فتطلّعتُ إليه في غير إشفاق وكأنّ لسان حالي يقول : هذه نهاية المطاف لكلّ عمل رديئ . وتداعت الصور الماضية أمامي ورحت أسجل تلك المشاهد حتي اكتملت في هذه القصيدة المطوّلة والتي آمل أن أكون قد وفّقتُ في نقل صورة مبسّطة لمرحلة عندما يسطرها التّاريخ بين دفّتيه فلن يجد تعبيرا عن اشمئزازه منها إلاّ أن يبصق عليها وذلك أقل ما تسحقّه.
الإهداء
لمن أهدي هذا العمل ؟ سؤال تصعب الأجابة عليه ، أأهديه لمن قضى نحبه ، أم أهديه لمن طال عمره حتي شهد طلوع الفجر ، هذا يستحق وذلك مثله.
فكّرتُ مليا واستعرضت الأسماء فوجدتها أكثر من أن تحفظها الذاكــــــرة ، وحتي لا يطالني عتب اهتديت إلي قرار لا أخال أحدا ينكره علَيّ وذلك بإهداء هذا العمل إلي العجوز الفقيرة الوحيدة الّتي لامعين لها إلاّ الله ، والّتي كانت تستقلّ الحافلة في رحلة الألف كيلو متر متّجة إلي طرابلس إلي بورتوبنيتو إلي ( الحصان الأسود ) في شدّة الصّيف وزمهرير الشّتاء مواصلة رحلة العذاب شهرا بشهر وسنة بسنة .
حاملة لأخيها أشواقها وما استطاعت جمعه بجهدها القليل في نوعه الكبير في معناه . لم يمنعها الحادث الذي كاد يودي بحياتها من تواصل زياراتها حتي اكتحلت عيناها برؤية أخيها جالسا في بيته وبين أحبته ، وكأنّ حياتها كانت بانتظار هذه اللحظة حتي تقرّ نفسا وترحل بعدها في رحلة اللاعودة وهي مرتاحة الضّمير لكلّ هذا آثرت أن أهدي هذا العمل لتلك الجندية العظيمة الّتي كانت تطعمنا وهي جائعة ، وتؤنسنا وهي مستوحشة . أنهّا السيدة الجليلة رقية عبدالرحيم الفضيل صاحبة الأفضال الكبيرة الكثيرة ، وما أقدّمه إنمّا هو جهد المقلّ مقابل كل ما فعلته ليس مع أخيها فقط بل ومع كلّ من كانوا رفاقا له في ذلك المكان الكئيب وأنا واحد منهم ، فلها مع هذا الإهداء الرحمة من الله ومني كل الإجلال والتقدير .
راشـــد
بنغازي في:7/7/2007ف
القفــل
مَاعُدتَ غَير كُتْلَةٍ بائِسَةٍ مِنَ الحَدِيدْ
مُلْقَى عَلَى التّرَابِ لا تُبدِئُ أو تُعِيـدْ
وكُنْتَ في الأقبِيَةِ المُدَلّلَ الوَحِيـــدْ
تَقْتَلِعُ الأَرْوَاحَ لاَتَنِي ولا تَحِيـــدْ
وجهُكَ كَالِحُ الرّؤى كأيّ جُلْمُِدٍ بَليــدْ
وفِعْلُكَ الخَنَا يَلعَقُ مِنْ دَمِ الشّهِيــــدْ
وأنتَ دَائماً حَيثُ يُلَعْلِعُ الوَعِيــــدْ
أعودُ للأمْسِ وليسَ الأَمسُ بالبَعِيــدْ
أطوي سِنيناً وجْهُهَا لطّخَهُ الصّدِيــدْ
أستَحضِرُ الجدارَ والحصار والقَصِيـدْ
وكُوّةً يَشنُقُهَا الجِدارُ دُونَ جِيــــــدْ
وأنّةُ الرّتَاجِ خَلْفَ بَابِكَ الوَصِيــــدْ
والَحارِسُ القَابعُ في الوِجَارِ يَسْتَزِيـدْ
يَكادُ لا يُصْغِي سِوَى لِمَطْلبٍ وَحِيـــدْ
اسحق وحَطّمْ كُلَّ من يَرفُضْ ما نُرِيدْ
***
حِينَ أعُودُ سَائِلاً أعودُ للــــــــوَرَاءْ
(1) ( بورتوبنيتو ) شاهد رَكّزَهُ الأَعَداءْ
طَعْنَةَ غَدرٍ تَملأُ البِلادَ بِالعَنَــــــاءْ
يَاطَالَماَ فِيهِ ذَوَتْ نَفْسٌ وأَودَى بِرَجَـاءْ
كانَ لنَا مَحْرقَةً تُنْهِكُ عَزْمَ الشّرَفَــاءْ
يَكْرَعُ مِنْهَا الدُّودُ والكِلاَبُ والغَبَـــــاءْ
حَيثُ يَئِنُّ مُوجَعٌ وحَيْثُ تَشْخُبُ الدّمَـاءْ
ويَصمُدُ الطّمُوحُ تَحْتَ وَطْأَةِ الخَــــواءْ
مُفَتّحَ الجِرَاحِ قد ضَمّدَه انْتِمـــــــَاءْ
***
كُنْتُ وحِيْداً قَابعاً يَجْلِدُني الصّقيعْ
أفتَقِدُ الرّفَاقَ في مَحْرَقَةِ القَطِيـعْ
تَقْذِفُنِي زِنْزَانةٌ لأُخْتِهَا ولا شَفِيـعْ
وقِيمَتي بينهما مِنْ يُسْرِهَا تَضِيـعْ
لاَ أحدٌ شَاءَ بِأنْ يَسْأَلَ عَنْ قَضِيّتـي
وتَكْتَسِي نَظْرتُهمُ حقداً وسُوءَ نِيّةِ
حَدِيثُهُمْ هَمْهَمةٌ تَصدُرُ في سِرّيَـةِ
ولم يَكُنْ يَعْنِيهُمُو أنْ يَعْرِفُوا هَوِيّتِي
كانُوا فُلُولَ غَابَةٍ تَبْحَثُ عن ضَحِيّــةِ
وِكُلّهُمْ مِخْلَبهٌ يَنهِشُ في بَقيّتِــــي
تَفَحّصتْنِي أَعينٌ تَنضَحُ بِالكَرَاهِيَـــهْ
آمرةً بِمَا تَشَاءُ بينَنَا ونَاهِيَـــــــــهْ
إنْ نَظَرَتْ مُؤْذِيةً أو نَطَقَتْ فَلاَهِيـــهْ
لُعْبَتُهَا الفَردُ وما تَحكُمُ إلاّ جَانِيَــــهْ
كُنتُ غَرِيقاً في الهُمومِ خَائِفاً مُكَبّـــلاَ
أقْبَعُ في زَاوِيَةٍ أفْقِدُ فيهَا الأَمَـــــــلاَ
أُحْصِي الخُطَى إن قَرُبَتْ تَحْمِلُ شَراً مُقْبِلاَ
ورَاحَتِي َأَنْ يَصْمُدَ البابُ ويَبْقَى مُقْفَـــلاَ
وحَارِسٌ يَسْبقُهُ السّبَابُ حِينَ يَنْطِــقُ
يَنْتَهِبُ الأسْمَاءَ حَانِقاً ويَبْصُــــــــقُ
يَصِيحُ قُمْ فَأنْتَ من يَطْلُبُهُ المحَقّــــقُ
واصْمُتْ كَمَا تَشَاءُ فالعَصَا سَتُنْطِـــــقُ
***
وقَبْلَ أَنْ أَنْطِقَ أوثَقَتْنِيَ القُيُـــــــودْ
تَدَحْرَجَتْ مَشَاعِرِي نَازِفَةً على الصّعِيدْ
بِلَكْمةٍ حَاقِدَةٍ وَرَكْلَةٍ ولاَ شُهُـــــــــودْ
وأَعْيُنٍ بَاهتَةٍ لم تَكُ عُمْرَها تَقُــــــودْ
سَرْتُ كَمَا أَرَادَنِي بِهَامَةٍ مُنَكّسَـــهْ
تَحُوطُنِي أَسْلحَةٌ وَأَوْجُهٌ مُعَبّسَــــهْ
وصَيْحَةٌ تُذْعِرُنيِ وَرَكْلَةٌ ومِكْنَسَـــهْ
تَنْزِع مِنْ صَدْرِيَ خَفْقَةً مُوَسْوِسَـــــهْ
***
وسَاقَنِي أَمَامَهُ مُهَرْوِلاً وحَافِيــــــــاَ
يَدْفَعُنِي بِقَسْوَةٍ ويَسْتَشِيطُ جَافِيـــــاَ
تُسْقِطُنِي رَكْلَتُهُ إذَا أَحَبْتُ نَافِيــــــاَ
لأِنّهُ يَبْحَثُ عَمّا يَدّعِيهِ خَافِيـــــــاَ
وحِينَما وصلتُ أحدَقَ الزّبَانِيَـــــهْ
كانُوا سياطاً وعصِياً بَلَغَتْ ثَمَاِنيـــهْ
أَهوَتْ بِكُلّ قَسْوةٍ ولم تَكُنْ بِوَانِيَــهْ
حَتّى غَدَتْ مَلاَبِسي من الدّمَاءِ قَانِيَهْ
***
وبعدَهَا تَلَقّفَ المزَوّرُونَ التُّهَمــــــاَ
هَذَا يَقُولُ خَائِنٌ وإِنْ نَفَى وأَقْسَمـــاَ
وغَيْرُهُ يُلْبِسُنِي ثَوْبَ عَمِيلٍ أَثِمـــــاَ
ويُبْرِزُونَ صُورَتِي مُعْتَرِفاً مُسْتَسْلِمـــاَ
كانُوا حُثَالَةَ الطُّغَاةِ كَلْبُهُمْ ثَالِتُهُــمْ
يُسَفّهُونَ قِيمَةً رِفْعَتُهَا تُذِلّهُـــــــمْ
ويَكْتُمُون يَقْظَةً لِيَسْتَرِيحَ رَبُّهُـــــمْ
ويخسرون كُلّهُمْ فَوَيْحَهُ وَوَيْحَهُـــــمْ
***
وَاختَبَلَتْ عُقُولُهُمْ فَأسْرَفُوا تَوَحُّشَـــا
وانتَهبُوا الحُرُوفَ والخَيَالَ والحَشَــا
وصَادَرُوا الشّمْسَ وقَرّبُوا الّذِي رَشَــا
حَتّى يَظَلّ طَافحِاً مَنِ اسْتَبَاحَ وارْتَشَى
ومُوجَعاً أَرجَعَنِي السّوْطُ إلي زِنْزَانَتِــي
وغَابَ حَارِسُ الِفنَاءِ واستَعَدْتُ طاقتـي
سَمِعتُ طرقَ مشفقٍ يسأَلُنِي عن حَالتِــي
وهَبّ جَارِيَ البَعِيدُ يَسْتَقي مَقَالَتِـــــي
***
وَقَبْلَ أَنْ أَنْطِقَ جَاءَ صَوْتُ العَرَبَــــــهْ
يَزُفّهَا الذّبَابُ وهْوَ يُبدِي طَرَبَـــــــهْ
وحَوْلَهَا مَخَالِبٌ كُلُّ يُزَكّي سَبَبَــــــــهْ
يَصيحُ في دَقِيقَةٍ فأنْتَ مَثْلَبَــــــــهْ
جَرَيْتُ ثُمّ عُدْتُ ماقَضَيْتُ الأَرَبَـــــــا
وفي دَقَائقٍ وَقَفْتُ لاَ هِثاً مُضْطَرِبَـــــــا
هذَا أحَدّ نَابَهُ وذَا بَغَى وعَذّبَــــــــــا
***
وَذَلِكَ الغَوِيّ بِالسّبَابِ يَهْــــــــــــرُفُ
وكُتْلَةُ الشّحْمِ مِنَ الغَبَاءِ تُقْــــــــــرِفُ
وغَيرُهُ يلْعِنُنَا وغَيْرُهُ يُصَنّــــــــــــفُ
وذَاكَ إن مَرّ بنا يَصْرُخ أُدعى ( الأَحْرَفُ ) (2)
وأَحْدَقَ اللّيلُ بِنَا فَأَسْرَعَتْ مَوَاجِعِــي
قُلْتُ أفِرُّ لَحظَةً أبْحَثُ عَنْ ذَرَائِــــعِ
أنْتَعِلُ الخَيَالَ قَاصِداً مَرَابِعِـــــــي
لَكِنّ صَرْخَةً هُنَا تَعُودُ بِي لِوَاقِعــــي
***
رَأَيْتُ إبْلِيسَ بِوَجْهِ ذلِكَ النّكِـــــــدْ
يَلْبَسُ ثُوْبَ نَقْصِهِ وبِالْعَدَاءِ يَتّقِــــدْ
يُسْرِفُ في حَدِيثِهِ لِكَي يُقَالَ قَدْ جَهِدْ
وعُقْدَةُ الشّر سِوَى الَخرابِ لَمْ تَلــــِدْ
وَمَرّ كَالسّمُومِ يَسْتَزِيدُ تَسْلِيَــــــــهْ
فَرُؤيَةُ الغَارِقِ في العَنَاءِ مُغْرِيـــــــَهْ
لم يَكْفِهِ نَهَارُهُ فَجاَءَ يَطْلُبُ الدّيـــــَهْ
مِنَ الّذِينَ انغَرَسُوا في عَتَماَتِ الأَقْبِيَهْ
***
وأَحْكَمَ القُيُودَ في يَدَيْ مُنَاضِـــــــــلِ
مِنَ الصّبَاحِ لِلْمَسَاءِ لَمْ يَفُزْ بِطَائِــــــلِ
عَذّبَ حَتّي بَانَ طَبْعُهُ كَقَاتِــــــــــــلِ
وآبَ بالخَيْبَةِ والحَسْرَةِ والنّـــــــــوازِلِ
وَمَرّ يومٌ ثُمّ يَوْمٌ فشهورٌ فَسَنَــــهْ
والأفقُ خَامِدٌ يغطّ تستبيه دَنْدَنَهْ
إذَا أطلّ صَامِدٌ بِرَأسِهِ كمِئْذَنَــــهْ
جَزّتْ خُطَاهُ ظُلَمٌ وألبَسَتْهُ وَهَنَـــهْ
***
وجَاءَني الحنينُ بَعْدُ ظامئاً مُسَلّماَ
كأنّهُ الغَيثُ الّذِي يُنعشُنِي إذَا هَماَ
وكُلّماَ وكُلّماَ وكُلّماَ وكُلّمــــــــــــاَ
طَوّق قَيْدٌ حُلَماً شَبّ فَتِياً ونَمــــــاَ
واغْرَورَقَتْ عَيْنَاي حِينَماَ افتَقَدْ تُكُـمْ
حِينَ أطَلّ الِعيدُ واسْتَرَابَ طَيفُكُـــــمْ
وَلَمْ تَجُلْ عُيُونُكُمْ حَوْلِي أو ضَمَمْتُكُــمْ
ذُبْتُ وعَضّنِي الوَجْدُ وماخَذَلتُكُـــــــمْ
ورُغْمَ مَاشَهِدْتُ لَوْ خُيّرْتُ ما تَرَكْتُكُــــمْ
***
صَغيرُكُمْ يَحْبوُ وَدُونَ سَتّةٍ كَبِيرُكُــــــمْ
تصارعون هَجْمةً وقَلّ مَنْ يُجِيرُكُـــــمْ
المزيد